صفحة 1 من 1

الغيتار الاسباني .. سليل الحضارات

مرسل: الأحد ديسمبر 03, 2017 7:49 pm
بواسطة دوزان
على الرغم من كثرة الدراسات والأبحاث التي تناولت تاريخ ظهور وتطور القيثارة خلال القرن الأخير، إلا أن الغموض والتعقيد يبقيان سيدا الموقف ساعة التصدي لمحاولة تحديد أصل وفصل هذه الآلة الموسيقية التي راجت في الموسيقى الغربية إثر عملية تشكل تاريخية طويلة ومعقدة شارك فيها العديد من ثقافات العالم القديم والحديث حتى استوت على الشكل الذي نراه في يومنا هذا.

أن شح البراهين والأدلة الوثائقية والمعطيات التاريخية الملموسة حال، حتى اللحظة، دون إمكانية تحديد متى وأين حدثت ولادة القيثارة ومن أي آلة تنحدر ومن هم مبتكروها. لكن عندما يتعلق الأمر بضرورة إيجاد أرضية أو نقطة للانطلاق نحو البحث في تاريخ القيثارة، فإنه لا بد من العودة إلى الحضارات القديمة في الشرق الأوسط ففي كنف معظم الشعوب التي قطنت هذه المنطقة منذ القرون التي سبقت مولد السيد المسيح(البابليون، السومريون، الكلدانيون، الآشوريون، الحيثيون والمصريون..)، كان استخدام الآلات الموسيقية الوترية أمرا اعتياديا، على الرغم من أن المسألة كانت تتعلق بنماذج بدائية مشغولة من العيدان ومن حبال المصران والهياكل العظمية للحيوانات، والكثير من تلك الآلات يمكن اعتبارها أسلاف الآلات التي سادت في أوروبا خلال العصر الوسيط بعد أن قام الرومان والإغريق والعرب بتشبيهها وتطويرها وإدخالها إلى مجتمعات القارة الأوروبية.

من بين الآلات الموسيقية التي ظهرت في أوروبا خلال العصر الوسيط تبرز آلة كانت معروفة في عدة بلدان بالقيثارة، رغم أن شكلها لم يكن يتطابق مع شكل القيثارة التي نعرفها في الوقت الحاضر.أما النموذج الحالي للقيثارة أو القيثارة الكلاسيكية أو القيثارة الاسبانية فلقد نشأ، حسب معظم الباحثين، في الممالك الهسبانية بين جنبات القرن الرابع عشر تقريبا.والتباينات تظهر في هذا السياق ساعة الإشارة إلى الطريق الذي وصلت منه القيثارة إلى شبه الجزيرة الأيبيرية وإلى أقرب سلف لها كآلة موسيقية وأي شعوب أو ثقافات يجب أن ينسب لها اختراعها.

من حيث المبدأ يمكن القول إن الفرضيات حول هذه القضية التاريخية يمكن جمعها في خطين رئيسيين: الخط الذي يؤكد أن هذه الآلة الموسيقية تنحدر من أشكال موسيقية إغريقية-لاتينية ومسيحية وصلت إلى شبه الجزيرة الأيبيرية عبر جنوب أوروبا والخط الثاني الذي يؤكد عكس ذلك ويقول إن القيثارة تنحدر من الثقافة العربية - الإسلامية التي دخلت شبه الجزيرة عبر شمال أفريقيا. الفرضية الأولى تؤكد أن الجيتار الاسباني ينحدر أصلاً من ال« قيثارة» وهي آلة موسيقية كان استخدامها شائعا لدى شعوب الشرق الأوسط القديم وتم استيرادها إلى أوروبا على يد اليونانيين وحملها إلى شبه الجزيرة الأيبيرية الرومان بعد أن وضعوا لها اسما لاتينيا هو «سيتارة».

وعلى الرغم من أن النموذج البدائي للـ «قيثارة» يشبه الربابة أكثر من الجيتار، إلا أن المدافعين عن هذه النظرية يؤكدون أنه في العصر الروماني انتشر عبر أوروبا نموذج جديد للـ «سيتارة» بصندوق رنان وعنق، وهو الذي أشتق منه في الممالك الهسبانية المسيحية في العصور الوسطى آلات موسيقية أخرى مثل الـ «سيتولا»، «الجيتار اللاتيني» والـ «فيولا» - قيثارة كانت شائعة جدا في القرن السادس عشر- وكلها تعتبر من الأسلاف المباشرين للجيتار الاسباني.

النظرية الثانية تتعارض مع الأولى تماما وتؤكد أن السلف البعيد للجيتار الاسباني ليس الـ «قيثارة» المذكورة آنفا، وإنما الـ «لاؤود»، التي وصلت إلى شبه الجزيرة ألأيبيرية على يد العرب. وشكلت الـ «لاؤود» آلة أخرى من الآلات الموسيقية الاعتيادية لدى شعوب الشرق الأوسط القديم، وبلغت أوج تطورها في كنف الحضارتين المصرية والفارسية برغم أن العرب هم الذين جعلوا هذه الآلة تخصهم وأسموها «العود» وأدخلوها إلى أوروبا في القرن الثالث عشر ميلادية عندما حكموا شبه الجزيرة الأيبيرية.

وبحسب ما يؤكده أتباع هذه النظرية، فلقد ظهرت، أثناء الوجود الإسلامي الطويل في هذه البقعة من الأرض، ولا سيما في نصفها الجنوبي، آلات موسيقية جديدة مشابهة للـ «لاؤود» على غرار الـ «مندورا» - آلة طرب قديمة تشبه العود أو المندولين- أو الـ «موريسكا» -الكلمة تعني مغربي اسباني متنصر-، اللتان يمكن وصفهما بأنهما سلفان قريبان للغيتار. لكن تبقى قيثارة ال«موريسكا»، التي كان يسميها المسلمون الهسبان« كيتار»، هي أقرب سلف مباشر للجيتار الحالي.

صحيح أنه من الممكن أخذ أي من هاتين النظريتين على محمل الجد واعتبارها صالحة، لكن ما سيعطينا مفتاح نشوء الجيتار، في نهاية المطاف، هو السياق التاريخي والثقافي الذي ولدت فيه هذه الآلة الموسيقية، أي أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الممالك المسيحية والمسلمة كانت تخوض، طوال الجزء الأكبر من العصر الوسيط الذي تشكلت فيه القيثارة، نزاعا على أراضي شبه الجزيرة الأيبيرية.

فإن ذلك التعايش الطويل والإجباري ولد، إذن، خليطا غنيا من السكان والثقافات، بحيث يبدو من المنطقي التفكير بضرورة اعتبار أن القيثارة ، وبعيدا عن كونها مجرد آلة موسيقية جذورها أوروبية أو عربية فقط ، هي أداة ولدت في العصر الوسيط نتيجة الاتصال والتواصل والتبادل الثقافي والتأثير المتبادل بين الثقافات الهسبانية المسيحية من جهة والثقافات الهسبانية الإسلامية من الجهة الأخرى، دون نسيان تأثير موسيقى السكان ذوي الأصول اليهودية.

لذلك، فإن نسب أبوة هذه الآلة الموسيقية لشعب دون غيره أو ثقافة دون أخرى ليس دقيقا بالمرة، لأنه إذا كان صحيحا أن مسار التطور الفيزيائي للقيثارة الاسبانية يبدو مصوبا نحو القيثارة اللاتينية والـ «فيولا»، المستخدمة بالدرجة الأساسية في الممالك المسيحية، فإنه ليس أقل صحة أن الثقافة الهسبانية- الإسلامية لعبت دورا مهما وحاسما وكان لها وزنها في تشكل الموسيقى الاسبانية وآلاتها بصورة عامة.

لكن الحديث عن جذور الجيتار الكلاسيكي الاسباني يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن كتاب وضعه ماوريسي سمرفيلد الصادر في طبعته الثالثة عام 1992، الذي يقدم فرضية أخرى مثيرة للاهتمام حول أصل الجيتار الاسباني. يرى سمرفيلد أن هذه الآلة الموسيقية مشتقة من الآلتين الرومانيتين الـ «طنبور» والـ «سيتارا»، اللتان وصلتا إلى اسبانيا على يد الرومان سنة 400 ميلادية تقريبا.

عمليا، نشأ عن الـ «السيتارا»، في أوروبا، نوع آخر من القيثارات الصغيرة ذات الشكل المدور والصندوق المقعر ولا سيما في إنجلترا، فرنسا وألمانيا، لكن لا يمكن اعتبارها من أسلاف القيثارة الاسبانية، بل بالأحرى من الـ «سيتيرن» والقيثارة الانجليزية وآلات أخرى مماثلة للمندولين. القيثارة الاسبانية تطورت بشكل موازي في شبه الجزيرة الأيبيرية وسرعان ما امتدت إلى الجزء الأكبر من البلدان الأوروبية وتقدمت على بقية الآلات الموسيقية المماثلة.

لكن هذه النظرية تتعارض كذلك مع النظرية التقليدية، التي تقول إن السلف المباشر للجيتار هو العود، الذي حمله إلى إسبانيا العرب بعد فتح اسبانيا خلال القرن الثالث عشر. وهناك أدلة على أن آلة الأوتار الأربعة الشبيهة بالقيثارة كان يعزف عليها الحثيون، الذين قطنوا في المنطقة التي تعرف اليوم بآسيا الصغرى أو سوريا، حوالي سنة 1400 قبل الميلاد.

هذه الآلة كانت تتصف بأن لها جانبين طريين ومقوسين ، الأمر الذي يعتبر أول الخصائص الأساسية في أي آلة يقال عنها أنها من أسلاف القيثارة، اليونانيون صنعوا كذلك آلة مماثلة تم تعديلها لاحقا على يد الرومان والمثير للاهتمام والجدل في آن هو ما يقال حول ظهور الـ «السيتارة» الرومانية في اسبانيا قبل الفتح الإسلامي بقرون.

على الرغم من ذلك، يفسر الأمر على أساس أن الآلة الأولى المشابهة للقيثارة التي ظهرت في اسبانيا إنما ظهرت بعد دخول العرب إلى جنوب شبه الجزيرة الأيبيرية ومعهم أول عود عربي. لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار دخول الـ «سيتارة» الرومانية قبل ذلك بعدة قرون، بوسعنا القول إنه رغم تأثير العود في تطور القيثارة، إلا أنه ليس سلفها المباشر.

انسجاما مع هذا الطرح، فإن القيثارة الاسبانية اشتقت من طنبور الحثيين وتفرعت عن «كيثارة»، بالكاف، اليونانيين وأخيرا عن «سيتارة»، بالسين، الرومان. وهناك احتمالية تتحدث عن أنه بعد وصول العرب إلى اسبانيا تمت عملية تمازج وتأثير متبادل استمرت طوال عدة قرون بين ال«سيتارة» الاسبانية و العود العربي، لكن لا يوجد توثيق محدد حول هذا الطرح، وربما يكون الأمر قد حدث على النحو التالي: صانعو الأعواد والسيتارات شاهدوا عمل بعضهم البعض.

ومن ثم انتشر ذلك العمل وتوسعت رقعته العمل وأصبح له امتداداته عن طريق حفلات الشعراء الغزليين في العصور الوسطى.حوالي القرن الثاني عشر، كانت قيثارة الأوتار الأربعة قد تطورت إلى نوعين: القيثارة الموركسية أو الأندلسية المسلمة، التي كان لها عمق مدور، وسارية عريضة وعدة حزوز أو شقوق في الغطاء من أجل خروج الصوت، والقيثارة اللاتينية، التي تميل أكثر للجيتار الحديث مع فم واحد وسارية أضيق.

في نهاية القرن الخامس عشر ولدت آلة الـ «فيولا» بإضافة أوتار ثنائية وتكبير حجمها. كانت آلة لها وتر نابض مع سارية أطول، وكان طول الأوتار يتراوح بين 72 سنتيمترا و79 سنتيمترا مع 10 أو 11 أعتاب-العيدان المعروضة على وجه القيثارة أو المندولين ومنها تمتد الأوتار- وستة أنساق.

وأصبحت هذه الآلة المفضلة في البلاط الاسباني والبرتغالي وحافظت على شعبيتها حتى نهاية القرن السابع عشر، عندما أصبحت الآلات الأوركسترالية ومفاتيح الآلات الموسيقية أكثر شعبية. رغم أن القيثارة كانت موجودة في هذه الفترة، إلا أن الفيولا والعود بقيتا حتى نهاية القرن السابع عشر، عندما أضيفت أوتار كثيرة على العود وأصبح من الصعب العزف عليه ودوزنته، في حين راحت القيثارة ذات الخمسة أو ستة أوتار تحل محل الفيولا بصورة تدريجية .

على الرغم من أنه تم التوصل إلى مزيد من الاكتشافات المتعلقة بصناعة القيثارة منذ منتصف القرن التاسع عشر، إلا أن القيثارة الاسبانية الحديثة لا تزال تحافظ على معظم ما تم اكتشافه قبل نحو 150 عاما. ولا أحد بوسعه القول إن ذلك وضع نقطة النهاية في مسيرة تطور وارتقاء القيثارة.

من العائلة الوترية

آلة وترية من عائلة الكمان لها أربعة أوتار وهي أطول من الكمان بمقدار من 2 سم إلى 7 سم وهناك تنوع في أحجامها أكثر من آلتي الكمان والتشيللو. تصنع الفيولا من الخشب أما أوتارها فمعدنية و مجالها الصوتي يغطي ثلاثة أوكتافات على الأقل.

أقدم نموذج معروف لآلة الفيولا صنعها غاسبارو دي سالو (1540 و 1609) واستخدمت في الأعمال الموسيقية القديمة مثل أوبرا أوفريو عام، 1607 التي ألفها كلاوديو مونتيفيردي وفي القرن العشرين كتبت عدة أعمال موسيقية للفيولا من قبل العديد من المؤلفين الموسيقيين.

قوة الصوت

في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كان شائعا استخدام عدد من القيثارات ذات ستة أوتار بسيطة ووظفت فيها عوارض للتقوية تحت الغطاء الهارمونيكي، كما سمحت هذه الآلية بمزيد من قوة الصوت والقدرة على توزيعه. كما ظهرت قيثارات أخرى تميزت باستخدام سارية مقواة ومرفوعة باستخدام خشب الآبنوس والبليساندر، فضلا عن ظهور آلية البرغي المعدني الذي حل محل المسامير الخشبية التي كانت تستخدم لدوزنة القيثارة.

باسل أبوحمدة
صحيفة البيان
26 أكتوبر 2008